القرطبي
406
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
لعنه الله - : من يقوم إلى هذا الرجل فيفسد عليه صلاته . فقام ابن الزبعري فأخذ فرثا ودما فلطخ به وجه النبي صلى الله عليه وسلم ، فانفتل النبي صلى الله عليه وسلم من صلاته ، ثم أتى أبا طالب عمه فقال : ( يا عم ألا ترى إلى ما فعل بي ) فقال أبو طالب : من فعل هذا بك ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : عبد الله بن الزبعري ، فقام أبو طالب ووضع سيفه على عاتقه ومشى معه حتى أتى القوم ، فلما رأوا أبا طالب قد أقبل جعل القوم ينهضون ، فقال أبو طالب : والله لئن قام رجل جللته بسيفي فقعدوا حتى دنا إليهم ، فقال : يا بني من الفاعل بك هذا ؟ فقال : ( عبد الله بن الزبعري ) ، فأخذ أبو طالب فرثا ودما فلطخ به وجوههم ولحاهم وثيابهم وأساء لهم القول ، فنزلت هذه الآية ( وهم ينهون عنه وينأون عنه ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا عم نزلت فيك آية ) قال : وما هي ؟ قال : ( تمنع قريشا أن تؤذيني وتأبى أن تؤمن بي ) فقال أبو طالب : والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة * وأبشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وزعمت أنك ناصحي * فلقد صدقت وكنت قبل أمينا وعرضت دينا قد عرفت بأنه * من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار مسبة * لوجدتني سمحا بذاك يقينا ( 1 ) فقالوا : يا رسول الله هل تنفع أبا طالب نصرته ؟ قال : ( نعم دفع عنه بذاك الغل ولم يقرن مع الشياطين ولم يدخل في جب الحيات والعقارب إنما عذابه في نعلين من نار [ في رجليه ] ( 2 ) يغلي منهما دماغه في رأسه وذلك أهون أهل النار عذابا ) . وأنزل الله على رسوله " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " ( 3 ) [ الأحقاف : 35 ] . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه : ( قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم القيامة ) قال : لولا تعيرني قريش يقولون : إنما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك ، فأنزل الله تعالى : " إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء " ( 4 ) [ القصص : 56 ] كذا الرواية المشهورة ( الجزع ) بالجيم والزاي ومعناه
--> ( 1 ) في الواحدي وغيره : مبينا . ( 2 ) من ج وك وع وز وه . ( 3 ) راجع ج 16 ص 220 . ( 4 ) راجع ج 13 ص 299 .